أمريكا والإرهاب أفهمونا .. لسنا أعداءكم

بقلم :أشـرف شـتيوى
لا نجد في ثقافتنا ولا في تعاليمنا مايسوغ لنا بغض إنسان لأجل لونه أو عرقه أو دينه.
إنما نجد في كتابنا وفي سيرة رسولنا دعوة ملحة لي الحب والود والبر والإحسان والعفو والصفح والسلم والجمال والأخاء والخير والإصلاح والإيثار والحوار والإعمار .
والإنسان في تعاليمنا مقدس، ملقه الله في أ؛سن تقويم، ونفخ فيه من روحه، وسواه فعدله، وفضله علي سائر مخلوقاته، وكرمه فأسجد له ملائكته، ونعمة فسخر له الكون كله وأطلق يده فيه ليكشف قوانينيه وأسراره ويستثمرها.. خلقه نم نفس واحد وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ، وجعلهم شعوبا وقابل وألوانا وأمما، وضعهم في حلبة السباق على عتبة واحدة، ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، وصان حياتم، وحرم دماءهم وأموالهم، وعد قتل نفس بغير نفس أو فساد في الأرض معادلا لقتل الناس جميعا، وإحياءها كإحياء الناس جميعا، وسوي بينهم في انتسابهم لآدم جميعا، فلا فضل لأحد منهم علي الآخر إلا بالتقوى والعمل الصالح .
ولا يصح إيمان المسلم ما لم يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله جميعا لا يفرق بين أحد من رسله، ولأهل الكتاب عند المسلم مكانة خاصة، يجمع بينهم قاسم مشترك، هي كلمة التوحيد ( ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضاً أربابا من دون الله ) آل عمران 64
وللنصارى عنده مكانة مميزة ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين أمنوا الذين قالوا إنا نصاري ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ) المائدة 82
وعداوة اليهود لللذين أمنوا من سائر البشر، ليست عداوة متبادلة بل هي عداوة من طرف واحد ، إذ عدوا أنفسهم شعب الله المختار، ليسوا بشرا مثل سائر الناس : فصور الله تعالي ما انطوت عليه نفوسهم أروع تصوير : ( ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضو عليكم الأنامل من الغيظ ) آل عمران 119
وإنما صيغت نفس المسلم على الحب: حب لله، وحب لعبادة ، وحب للبيئة من حوله، فالممنون هم الأشد حبا لله، حبا متبادلاً (يحبهم ويحبونه ) المائدة 54 وهو قد (كتب على نفسه الرحمة ) الانعام 12 وهم (رحماء بينهم ) الفتح 29 ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك) آل عمران 191 وذلك في تناغم كامل مع الطبيعة والبيئة والشجرة وما خلق الله في الأرض من دابة، حتى إن القرآن العظيم ليجري – في سياق هذا التناغم – حوارا بين الإنسان واعضائه، وبينه وبين النمل والطير وسائل الكائنات الحية والجامدة ، كل يقول : (أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ) (فصلت 21)
وبمقتضي هذا الحب المتبادل بين الله والإنسان والبيئة، تفهو نفس المؤمن إلي كل ما يحبه الله تعالي فيحبه، وتعاف كل ما لا يحبه الله فيكرهه، فهو يحب المحسنين والمتقين والمقسطين والصابرين والمتوكلين والتوابين والمتطهرين، لان الله يحبهم، ويبغض الفساد والمفسدين والخائنين والمختالين والمستكبرين والمعتدين والظالمين والمسرفين لان الله نفي محبته لهم .
وكذلك أقام الله تعالي العلاقة بين المسلم وغير المسلم علي الحب بل أن الإسلام رسم لهما السبل الكفيلة باستمرار هذه العلاقة ، التي يديرها المسلم بحسب أحوالها المختلفة علي النحو التالي :-
1- حالة التعايش والود المتبادل : تحكمها الآية القرآنية : ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم) (الممتحنة

والبر هو أعلي درجات الحب والمودة، ويكون لكل منهما أ، يمارس عباداته ويعيش حياته علي النمط الديني الذي ارتضاه ، وليس للمسلم أن يزيد في دعوته إلي دينه عن تقديم النموذج الصالح والقدوة الحسنة، والحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن في الظروف المناسبة حفاظا علي حبل المودة والعلاقة الحميمة.
2- حالة التنافر والتخاصم التي ربما تشوب العلاقة بينهما ، فالمسلم هنا مأمور بأن لا يبادر بالعدوان ( ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) (البقرة 190)، كررها بالصيغة نفسها مرتين تأكيدا للنهي عن العدوان ، وبغض الله تعالي له .
3- حالة مبادرة الآخر بالعدوان : فما علي المسلم إلا أن يرد العدوان بمقداره ولا يتجاوزه (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) (البقرة 194)
4- حالة الدعوة إلي السلم وإيقاف العدوان، علي المسلم أن يستجيب لها، حتي لو اشتم منها رائحة الخدعة، فإن عليه أن يقبلها مع الحذر ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل علي الله إنه هو السميع العليم * وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين) (الانفال 61-62 )
5- حالة التوافق علي السلم وإبرام المعاهدات : يكون علي المسلم فيها الالتزام والوفاء الكامل بها ( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ) (النحل 91)
6- إنهاء المعاهدات ونقضها : يظل المسلم ملتزما بمعاهداته ما دام الطرف الآخر ملتزما بها (فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ) (التوبة 7) ولا يجوز له نقضها حتى لو كان ذلك تلبية لطلب من أخوان له في الدين ( وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق) (الانفال 72) وعليه أن يحافظ علي احترامه لمعاهداته حتي انتهاء مدتها (إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فاتموا إليهم عهدهم إلي مدتهم أن الله يحب المتقين ) (التوبة 4) تلك هي النصوص القرآنية الناظمة للعلاقة بين المسلم وغير المسلم ، وهي تشكل ثقافة المسلم يتصرف علي ضوئها – فردا كان أو جماعة – في حالتي السلم والحرب ..
هل جاءت مواثيق الأمم المتحدة ، وشرعه حقوق الإنسان، ومبادئ العلاقات الدولية بأهدي منها ؟! ولدينا في تعاليمنا عن حسن العلاقة والجوار والتعايش مزيد.
فعلي الرغم من انتمائنا لحضارة عريقة هي أقدم من حضارتكم ، قصرت همتنا عن متابعة مسيرتها ، وتراخت أيدينا عن حمل رايتها ، فلسنا نرى مانعا من بزوغ حضارات أخرى تمضي قدما في الارتقاء بالإنسان ،

الكاتب اشرف شتيوي رئيس تحرير جريدة الاحرار المصرية

Facebook Comments